معجزة الاسلام _ الجزء الرابع           

 المحرر : هبه حسام

عمر بن عبد العزيز

امتلأت الأرض والله جورا

 لقد كان ((عمر بن عبد العزيز)) دائم التنديد بسوء الحكم وطغيان الولاة. ولقد قلنا من قبل : أن ((الحجاج)) طاغية بني مروان, لن ينسى مقته له, ولا تشهيره به.

 وها نحن , نراه ينتهز فرصة إيوائه بعض المعارضين لمظالم العهد والمنددين بها, فينسج مؤامراته ووشاياته موغرا صدر الخليفة على ابن عمه وزوج أخته, وواليه على الحجاز ((عمر بن عبد العزيز))...

لقد أرسل ((الحجاج)) إلى الخليفة – ((الوليد بن عبد الملك)) – يشكو إليه استقبال ((عمر)) وإيواءه كل الذين يطلبهم الحجاج ليحاكمهم على مؤامراتهم ضد الأمويين..

ولقد كان السبيل ممهدا لوشاية ((الحجاج)), وربما لأي وشاية تريد النيل من - ((عمر)) - ذلك أن منهجه العام كان من السمو بحيث لا يطيق الآخرون من بني مروان محاكاته, بل لا يطيقون معايشته ..

علم الخليفة يوما أن بعض الناس في إمارته يمعنون في تجريح الخلفاء الأمويين وسبهم, فاستدعى ((عمر بن عبد العزيز)) إليه وسأله:

" ما تقول فيمن يسب الخلفاء؟ .. أيقتل ..؟ "

فصمت ((عمر)) ولم يعقب ..

وازداد الخليفة تجهما وعبوسا, وأعاد سؤاله: " ما تقول فيمن يسب الخلفاء؟ .. أيقتل ..؟ "

 وفي استمساك وثيق بدينه وبفضائله, أجاب وهو غير ملق للعواقب بـ لا: " هل قتل نفسا بغير حق, يا أمير المؤمنين ؟؟ "

قال ((الوليد)): " لا, ولكنه سب الخلفاء, وانتهك حرماتهم ".

وفي هدوء راسخ, أجاب ((عمر)): " إذن يعاقب بما انتهك للخلفاء من حرمة, ولكن لا يقتل..."

 وأنهى الخليفة المقابلة بإشارة غاضبة رعناء, وانصرف ((ابن عبد العزيز)) عنه وهو يتوقع منه نقمة عاجلة, صورتها كلماته هذه:

"...فخرجت من عنده, وما تهب ريح إلا وأظنها رسولا منه يدعوني إليه " !!

 في هذا الجو المتوتر, قرر ((الحجاج)) أن يصطاد غريمه, فألقى وشايته السالفة..

والحق, أن ((عمر)) كان يفتح صدره, كما يفتح أبواب المدينة, للهاربين من طغيان ((الحجاج)), وغير ((الحجاج))

 والحق أيضا, أنه كان يحترم حقهم في نقد أخطاء الحكم وكشف زيفه وفساده. بيد أنه لم يكن بين هؤلاء الذين يؤويهم ويحميهم من دبر انقلابا مسلحا ضد الدولة, كما حاول ((الحجاج)) أن يوهم الخليفة ((الوليد)). ولعل وشاية ((الحجاج)) كانت ستبوء بالخذلان لو أن ((عمر)) اصطنع قليلا من المسايرة واللين في دحضها . لكن فطرته الطاهرة النقية الجياشة, لم تكن تعرف في مثل هذا المجال مسايرة, أو لينا ..

 وهكذا, لم يكد الخليفة يرسل إليه متسائلا عن دعوى ((الحجاج)), حتى كتب له ردا يفيض بأسا وصرامة. فقد راح يحدثه عن العدل الغائب والظلم المخيم .. ويدمدم عليه بالمظالم البشعة التي يقترفها ((الحجاج)) وأشباهه تحت ستار استبقاء السلطان لبني مروان .. وراح يصارحه, بأنه ليس ثمة دولة تحترم نفسها, تقبل أن يكون طاغية كالحجاج بين ولاتها..

 ثم قال قولته الصادعة الرائعة :

 " لو جاءت كل أمة بخطاياها يوم القيامة .. وجئنا نحن بالحجاج وحده لرجحناها جميعا "..!!

 ورأى ((الوليد)) نفسه أمام كفاية خلقية قادرة على تحديه بل إهانته, فأصدر أمره بعزل ((عمر)) عن ولاية المدينة والحجاز ..

وغادر البطل المدينة التي لم يحب في الدنيا بلدا, قدر حبه لها.. غادرها إلى الشام, بعد أن لبث في ولايتها ستة أعوام, ملا البلاد خلالها عمرانا وأمنا, وملا الناس رخاء وبهجة..!!

 وفور رجوعه إلى الشام, وجد جيش الدولة يتحرك للقاء جيش الإمبراطورية الرومانية الشرقية, التي كانت دائمة التحرش بالدولة المسلمة والشغب على حدودها, فلبس ((عمر)) سلاحه وحمل نيته الصالحة, وأخذ مكانه بين المقاتلين – جنديا عاديا, يرجو ظفر المؤمنين, أو عقبى الشهداء الصالحين ..!!

ويعود من الحرب, فيعكف على نفسه في محراب الفضيلة والتقي ..وراح يدير خواطره على أخطاء الدولة, وكثيرا ما كان يأخذه الأسى والجزع – ولكن ماذا يصنع وليس له من الأمر شيء..؟!

إن كل ما يستطيعه, أن يرفع صوته عاليا ضد الفساد والظلم, ولقد فعل.. وكان الناس يتناقلون عنه في الأقطار قاطبة بعض عباراته اللافحة التي يقذف بها في وجه البيت الأموي الحاكم.

من تلك العبارات قوله:

 " الوليد بالشام, والحجاج بالعراق, ومحمد بن يوسف باليمن, وعثمان بن حيان بالحجاز, وقرة بن شريك بمصر, ويزيد بن أبي مسلم بالمغرب... امتلأت الأرض والله جورا "!!!

 ويموت ((الوليد بن عبد الملك)) ويخلفه أخوه ((سليمان بن عبد الملك)). وعلى الرغم مما يكنه ((سليمان)) لعمر بن عبد العزيز من إجلال ومحبة, فقد خافه ((واليا)) .. ومن ثم اثر استبقاءه أخا وصديقا.. وان زاد, فناصحا..!!

 كانت روح ((عمر)) تسمو صاعدة نحو مطالعها. وإنه ليقيس بمقياس الدين القويم كل اتجاهات الدولة في حروبها وسياستها.. في مجتمعها واقتصادياتها, وأخلاقياتها.. فيجدها في كل ذلك جانحة لهوى الخلفاء والأمراء والولاة, بقدر ما هي بعيدة عن روح الدين ومنهجه..هنالك أخذ على عاتقه الجهر دوما بهذه الحقيقة وإعلانها.

 اصطحبه الخليفة ((سليمان)) يوما لزيارة بعض معسكرات الجيش.وأمام معسكر يعج بالعتاد وبالرجال, سأله ((سليمان)) في زهو:

" ما تقول في هذا الذي ترى يا عمر..؟!

وسرعان ما جاء جواب ((عمر)), كقاصمة الظهر, فقد قال:" أرى دنيا يأكل بعضها بعضا, وأنت المسئول عنها, والمأخوذ بها " !!

وبهت الخليفة لهذه الإجابة التي لم يكن يتوقعها, فعقب عليها قائلا له: " ما أعجبك..؟!! "

وإذا ((عمر)) يجيب قائلا: " بل ما أعجب من عرف الله فعصاه..وعرف الشيطان فاتبعه.. وعرف الدنيا فركن إليها "؟!!

 كذلك اصطحبه الخليفة في رحلة للحج.. وفي الطريق فتحت السماء أبوابها بماء منهمر, ففزع ((سليمان)) وأرعبه السيل الكاسح, ونظر فإذا ((ابن عبد العزيز)) يضحك, فسأله ((سليمان)):" ألمثل هذا يضحك الناس..؟! "

فأجابه ((عمر)):" يا أمير المؤمنين, هذا في حين رحمته, فكيف به في حين غضبه "؟!!

أاجل.. إذا كان المطر الذي هو من أثار رحمة الله وغوثه, يمكن أن يبعث الخوف ويوقع الضر, فكيف بغضب الله وعقابه ؟! .. كيف بنقمة الله التي أعدها لتكون نقما ووبالا ؟!

 على هذه الوتيرة, راح ((عمر)) يلقي نذره, محاولا أن يفتح الأعين العمي, والآذان الصم.

وعما قليل ستمد الأقدار يمينها نحوه, هاتفة به كي يتقدم ليحمل المسئولية الكبرى: خليفة للمسلمين, وأميرا للمؤمنين.

 فإلى أن نلتقي – إن شاء الله تعالى – في أروع أيام حياته تلك, بل أروع أيام البشرية المتسامية كلها, علينا الآن أن نلقي نظرة سريعة على نوع ذلك الميراث المبهظ الفادح, الذي سيكتب على ابن عبد العزيز أن يحمله ويقوم اعوجاجه. هذا الميراث الذي ينتظم العهد الأموي, الذي بدا باستخلاف معاوية, ويقف الآن عند ((سليمان بن عبد الملك بن مروان)).

فتابعونــــــــا


عدد الزيارات : 169

Share

مقالات ذات صلة :
  • معجزة الإسلام - الجزء الأول

  • معجزة الاسلام _ الجزء الثانى

  • معجزة الاسلام _ الجزء الثالث

  • معجزة الاسلام _ الجزء الخامس

  • معجزة الاسلام _ الجزء السادس

  • معجزة الاسلام _ الجزء السابع

  • معجزة الاسلام _ الجزءالثامن

  • معجزة الاسلام _ الجزء التاسع

  • معجزة الاسلام _ الجزء العاشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الحادى عشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الثانى عشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الثالث عشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الرابع عشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الخامس عشر

  • المبرأة من السماء _ الجزء الاول

  • المبرأة من السماء _ الجزء الثانى

  • الامام الاعظم

  • رفيقة النبى فى الجنة

  • إمام دار الهجرة

  • من أهل بيت رسول الله

  • سيدة القصر

  • رجل اشترى الآخرة بالدنيا

  • المجادِلة

  • المزيد.......
    التعليقات :



    الاسم  
    البريد الالكتروني    
    العنوان   
    التعليق