معجزة الاسلام _ الجزء التاسع           

 المحرر : هبه حسام

عمر بن عبد العزيز

"إنه الولع بالسلطان, لا يدعه يصبر حتى الصباح" !! 

 

نحن الآن أمام رجل جديد, مغاير تماما لهذا الذي كنا معه عبر الأجزاء السابقة..  جاء إلى الحياة هذا الرجل الجديد – عمر الخليفة – في رحلة سريعة لن تلبث إلا عامين, وخمسة أشهر, وبضعة أيام..!!!

 

ولو أن هذا الخليفة كان قبل الخلافة واحدا من عامة الناس..

ولو أن البيئة التي قضى فيها طفولته وشبابه ورجولته كانت مألوفة بين البيئات..

ولو أن الزمن الذي استغرقه انقلابه الروحي المذهل, امتد على طريق تطور طويل أو حتى قصير ..

ولو أن السبب المباشر لهذا الانقلاب كان شيئا أخر غير المنصب الذي يشعل الطموح ويفتح الشهيات.

 

لو أن ذلك كان كذلك, لتيسر لنا تصور الإعجاز الذي حدث. .

أما والأمر مختلف عن هذا كله, فأن ذلك الإعجاز يبقى – والى الأبد – سرا جليلا يتحدى كل الإدراك. . !

فبطل الانقلاب الروحي الذي سنطالعه الآن صورته الخارقة, لم يكن من أوساط الناس في معيشته ورزقه, فيقال: أن زهده وورعه كانا امتدادا لمعاناة تجاربه. . بل هو منذ مولده إلى استخلافه ربيب الملك, وحفيد المجد, وابن القصور الناعمة, والمباهج الهاطلة . . !!

وهو لم يكن حين تسنم الخلافة شيخا تقدمت به السن, فيقال: أن استغناءه عن نفوذها وجاهها ونعيمها إنما هو مظهر لحياة شعبت من النعيم والجاه حتى بشمت, وأعراض شيخوخة ولى عنها ولع الشباب وطموحه . . بل كان يوم استخلافه في رائعة الرجولة والاقتدار والطموح . . لقد كان في الخامسة ثلاثون من عمره. . !!

وهو لم يستغرق في انقلابه الروحي الهائل المفاجئ سنين ولا شهورا, بل جاء كما سنرى ابن اللحظة التي اختير فيها أميرا للمؤمنين. . !!

ولم يكن وراء هذا الانقلاب الروحي يأس من غاية أرهقت طموحه, ولا هزيمة في الحياة راح يلتمس عوضا عنها, وبديلا لها, ولا رد فعل لإفراط قديم في شهوات النفس, ولذاذات الجسد, ولا نوبة صلاح وتقي دفعت به إلى صوامع العابدين, ولا نزعة تشاؤم ترى العدم وراء الأشياء, فتلوذ باللامبالاة, صائحة :" الكل باطل.."

ونحن نصف هذا الانقلاب بالمفاجئ, لأنه كان كذلك فعلا, فمع أن حياة ((عمر)) كانت منذ طفولته طاهرة فاضلة, نزاعة إلى المزيد من الصلاح والتقي. . ومع انه بعد عزله عن ولاية الشام أيام ((الوليد بن عبد الملك)) عكف على تنمية فضائله وتزكية نفسه, وشرع يخفف من غلواء تأنقه وتنعمه . . فإنه لا هذا ولا ذاك ولا أضعافهما معهما, لا شيء من هذا كله بقادر على إقناعنا بأنه كان مقدمة لذلك الانقلاب الفذ الذي تفوق حتى على ذاته, والذي تقمص شخصية الخليفة في اللحظة التي جرى فيها ريقه بالمذاق الرهيب لا الرطيب, لمسئولية الحكم والخلافة . . !!

فكل شيء داخل شخصيته, وخارج شخصيته, يتغير في إنجاز خاطف تحت ضغط هذه المسؤولية وحدها !!

و ((هو)) الآن . كان... ((هو)) الذي كان . . !!

فهو لا يصبر يوما, ولا ساعة على خطأ قد ارتكبه إلا سارع بمحاسبة نفسه لأنه لا يضمن لنفسه الحياة إلى الساعة التالية. . ومن ثم فلا وقت للإرجاء . .!

                   

                                  والآن . . فلننظر !!....

ها هو ذا يعود من دفن سلفه ((سليمان بن عبد الملك)) فلا يكاد يستقر به المقام في مجلس العزاء حتى يطلب إلى مولاه ((مزاحم)) أن يسارع إليه بقرطاس, وقلم, ودواة. . ويقترب منه ((رجاء بن حيوه)) وقد رأى جسده ينتفض, كأن به رعدة مرض ثقيل, وينصحه بإرجاء ما يريد إنجازه الآن إلى الغد, حتى يستريح . . لكنه يجيبه ودموعه تنثال :

"لقد فعلتها يا رجاء . .فدعني استنقذ نفسي من عذاب يوم عظيم " !!

 

إنها المسئولية الموصولة بالله, وبما لله في نفس ((عمر)) من عظمة, ورهبة, وجلال. . أجل أنها هي, لن تدعه ينعم, ولن تتركه ينام. .!!

 

ويجيء ((مزاحم)) بالقرطاس, وبالقلم, وبالدواة. . ويختطفها الخليفة منه في لهفة من يختطف حياته ومصيره من فوهة إعصار . . ويروح يكتب على عجل:

 

-    ((إلى مسلمة بن عبد الملك)), ليعود بجيشه من القسطنطينية . .

-    والى ((يزيد بن أبي مسلم)), يخبره بعزله عن إفريقيا, ويدعوه ليقدم حسابه. .

-    والى ((أسامة التنوخي)), يخبره بعزله عن خراج مصر ويدعوه ليقدم حسابه.

 

وأمر أن تحمل الكتب فورا إلى أصحابها . . وبهت الأمراء الأمويون لما رأوا . . وتهامس بعضهم معلقا على هذا المشهد الذي اثأر عجبهم وحنقهم معا, فقالوا:

" إنه الولع بالسلطان, لا يدعه يصبر حتى الصباح" !!

 

مساكين. . !! فقد كانوا أعجز من أن يبصروا روح القداسة التي بدأت تعمل داخل ضمير الرجل الذي لم يجد في منصب الخلافة الذي يتكالبون عليه سوى رزء رهيب. . !!

 

-         فأما ((مسلمة بن عبد الملك)) فقد كان على رأس جيش كبير يحاصر القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية. . وكاد الحصار يؤتي أكله ويفتح أبواب العاصمة, لولا خدعة ورطه فيها القائد الروماني ((آليون)) فردت القوة عجزا, والنصر هزيمة . . وعلى الرغم من ضياع الفرصة, وانقطاع خطوط التموين وتفشي المرض والمجاعة في الجيش, فإن الخليفة السابق ((سليمان بن عبد الملك)) رفض أن يصدر أمره للجيش بالعودة, ربما تحت وطأة كبريائه الشخصي والقومي, وربما أملا في تحسن ظروفه وإمداده بقوات جديدة – وهكذا ترك الجيش المتداعي فريسة للضياع . .

 

ولقد كان ((عمر بن عبد العزيز)) قبل استخلافه يتميز غيظا من هذا الموقف, ويلح على الخليفة باستدعائه ولكن لميستجب الخليفة لطلبه والآن وقد صار الأمر إليه, فإنه لا يطيق صبرا, ولا يرجئ أمر الانسحاب إلى الصباح, بل يبدأ بإصداره وبإرسال الرسل به في أولى ساعات خلافته ومسئوليته – هذه الأولى . .

-    فأما الثانية, وهي عزل ((أسامة التنوخي)) عن خراج مصر, فقد كان أسامة هذا – كما يصفه ابن عبد الحكم – غاشما, ظلوما, مسرفا في العقوبات بغير ما أنزل الله, يقطع الأيدي, ويملأ أجواف الدواب بآلاء ضحاياه, ثم يطرحها للتماسيح !!! افهذا طراز يسكت عنه ابن عبد العزيز طرفة عين . . ؟؟

لطالما نصح الخليفة السابق بوجوب عزله . . والآن وقد صار الأمر إليه, فإنه لا يدعه في مقامه لحظة, فقد يبتر في هذه اللحظة يدا تجيء يوم القيامة معلقة في عنق ((عمر)), تقول: "يارب, لقد طعنت بغيا وعدوانا في عهد هذا الخليفة . . "!!

-    وأما الثالثة, وهي عزل ((يزيد بن أبي مسلم)) عن إفريقيا , فقد كان هو الأخر طاغية متجبرا, يعامل الناس بوحشية مسعورة, ويتسلى برؤيتهم وهم يعذبون ويذوقون نكاله . .

هكذا بدأ الخليفة عهده . . بالتغيير السريع الحاسم الذي يجب أن يتم على مستوى الدولة والأمة بنفس السرعة والشمول اللذين تم بهما الانقلاب الروحي داخل وجدانه وضميره. لا مجال للتلكؤ ولا للإرجاء أمام عزيمة الرجل الذي صارت عيناه لا تكفان عن البكاء, والذي لم يعد لسانه يلهج بغير هذه الآية المنذرة:

 

"إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ " (الأنعام:15) !!


عدد الزيارات : 175

Share

مقالات ذات صلة :
  • معجزة الإسلام - الجزء الأول

  • معجزة الاسلام _ الجزء الثانى

  • معجزة الاسلام _ الجزء الثالث

  • معجزة الاسلام _ الجزء الرابع

  • معجزة الاسلام _ الجزء الخامس

  • معجزة الاسلام _ الجزء السادس

  • معجزة الاسلام _ الجزء السابع

  • معجزة الاسلام _ الجزءالثامن

  • معجزة الاسلام _ الجزء العاشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الحادى عشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الثانى عشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الثالث عشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الرابع عشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الخامس عشر

  • المبرأة من السماء _ الجزء الاول

  • المبرأة من السماء _ الجزء الثانى

  • الامام الاعظم

  • رفيقة النبى فى الجنة

  • إمام دار الهجرة

  • من أهل بيت رسول الله

  • سيدة القصر

  • رجل اشترى الآخرة بالدنيا

  • المجادِلة

  • المزيد.......
    التعليقات :


  • Margery     BFQBRxXIOyRO

    Well done atircle that. I'll make sure to use it wisely.

  • الاسم  
    البريد الالكتروني    
    العنوان   
    التعليق