معجزة الاسلام _ الجزء الرابع عشر           

 المحرر : هبه حسام

عمر بن عبد العزيز

" فلا تلوموا إلا أنفسكم " !!!

 

يحدث ((ابن عياش)), فيقول:" كان ل((عمر)) مرقاتان يرقى عليهما من صحن داره إلى حجرته . . فتهدم إحدى المرقاتين, فأعاد بناءها رجل من أهله . . فلما جاء ((عمر)) ووجدها, سأل: "من صنع هذا .. ؟"

قالوا: فلان. قال:" إلي به . . "

فلما جاء قال له ((عمر)):" ويحك أنفست على ((عمر)) أن يخرج من الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة . .؟! والله, لولا أن يكون هدمي لها إفسادا بعد إصلاح لهدمتها ورددتها إلى ما كانت عليه . ."!!!

 

ويدخل عليه في داره أحد خاصته المقربين, فيجده بركن منها تغطيه الشمس, وقد دثر جسمه كله في إزار . . وحسبه الزائر مريضا, فسأله, ما باله . .؟

فأجاب أمير المؤمنين:" لا شئ, غير أني أنتظر ثيابي حتى تجف"

قال الزائر:" وما ثيابك يا أمير المؤمنين . .؟"

قال ((عمر)):" قميص, ورداء, وإزار . ."

قال الزائر:" ألا تتخذ قميصا أخر ورداء, وإزارا؟ "

قال الخليفة:" كان لي, ثم بليت . .!! "

قال الزائر:" ألا تتخذ سواها . .؟؟ "

 

وهنا شرقت كلماته بدموعه, وراح يجهش بالبكاء مسندا جبهته على راحتيه, مرددا أية القران الكريم:" تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين"

((القصص:83

ولما كان يريد للدولة في عهده أن تكون رحمة وحنانا؛ فقد راح يمزق عنها كل أقنعة الصلف والكبر والتمايز . . وأيضا, بدأ بنفسه, فمنع الحراس أن يسيروا بين يديه. بل منعهم كما منع الناس جميعا أن يقوموا له حين يطلع عليهم, وقال لهم:

"إنما يقوم الناس لرب العالمين " !!

 

وناداه يوما رجل من المسلمين قائلا:" يا خليفة الله في الأرض " . .

فأخذته الرعدة الصالحة, وصاح في الرجل:" مه. .

 إني لما ولدت أسماني أهلي ((عمر)), فلو ناديتني يا ((عمر))

-      أجبتك . .

ولما كبرت اخترت لنفسي كنية, فكنيت ((أبا حفصة)), فلو ناديتني – ((يا أبا حفص))

-      أجبتك . .

ولما وليتموني أموركم سميتموني ((أمير المؤمنين)), فلو ناديتني – ((أمير المؤمنين))

-      أجبتك . .

وأما خليفة الله في الأرض, فلست كذلك . . إنما خلفاء الله في الأرض رسله وأنبياؤه " ..!!

 

ومنع الدعاء له فوق المنابر في خطبة الجمعة. وأرسل بذلك كتابا حازما إلى ولاته في جميع الأقاليم, قائلا فيه:

" مروهم فليصلوا على النبي عليه السلام, وليكن فيه إطناب دعائهم وصلاتهم . . ثم ليصلوا على المؤمنين والمؤمنات . . وليستنصروا بالله . . وليكن دعاؤهم لعامة المسلمين . . وليدعوا ما سوى ذلك "!!

 

وإذا كان قد حمل وأهل بيته معه مسئولية القدوة على هذا النحو المجيد والفريد . . إذا كانوا قد حملوها طائعين راغبين؛فإن هذا لا يكفيه, بل لابد من أن يحملها أيضا أمراء بني مروان جميعا طائعين إن شاءوا . . وإن أبوا فكارهين . . !!

لن يدعهم يتبذخون باسمه, ويتخذون من قرابته ملجأ لهم ومغنما. إذا كان ولابد, فلتكن هذه القرابة ملجأ لهم من أطماعهم وشهواتهم . . ومغنما بالتزامهم منهج أمير المؤمنين . .!!

أما دون ذلك , فلن تكون دنياهم في عهده كدنياهم قبل عهده.

لن يظلوا طبقة فوق الأمة . . ولن يدلف إلى قصورهم وجيوبهم ثلث الدخل العام للدولة, كما كان أمرهم من قبل أن تهل على الدنيا أيام الأغر ابن عبد العزيز . . !!

ولقد راحوا بكل ضراعاتهم يحاولون الابقاء على بعض امتيازا تهم, فلما أخفقوا راحوا يناورون, ولما أخفقوا, راحوا يهددون . لكن رجل القداسة وقف لهم كالقدر, وأحكم وضع الشكائم على غرورهم وأهوائهم, ثم دفع بهم جميعا أمامه على طريق العدل والحق, مصفيا ترفهم المنهوم . . !! 

حدث يوما أن أرسل إلى كل أمير وأميرة بقدر من المال يدبرون به أمورهم, ويستقبلون به حياتهم الجديدة الخشنة, فتنادوا واجتمعوا, وقرروا أن يوفدوا إليه صديقا له يرجوه باسمهم أن يرفع لهم العطاء. .

فكان جوابه لهذا الصديق:" والله لقد ندمت على هذا الذي أعطيته إياهم, وإني لأعلم أن في المسلمين من هو أحق به, وأحوج إليه منهم" .. !

 

وعاد مبعوثهم إليهم يقرع أسماعهم بكلماته المنذرة, ويقول لهم:

" يا بني أمية . . لا تلوموا إلا أنفسكم, فقد عمدتم إلى صاحبكم ((عبد العزيز بن مروان)) فزوجتموه حفيدة ((عمر بن الخطاب)), فجاءتكم ب((عمر بن الخطاب)), ملفوفا في ثياب ((عمر بن عبد العزيز)), فلا تلوموا إلا أنفسكم " !!!

ويعود الخليفة ليضع كلتا عينيه على الولاة والقضاة والأمناء على الأموال العامة – أولئك الذين ينعتهم بأنهم والخليفة معهم يشكلون أركان الدولة والسلطان.

 فالولاة؛ بحكم كونهم نوابه في حكم الأقاليم.

والقضاة؛ بوصفهم أهل الفصل في مصائر الناس بما يملكون من كلمة الشريعة والقانون.

وأمناء بيوت المال؛ بما لهم من سيطرة مباشرة على الأموال العامة وأرزاق الناس.

لقد كان يرى في هذه المناصب أخطر مناصب الدولة وأكثرها ثقلا وحساسية . . كما كان يرى في استقامة أمرها العامل الأول والأهم لتمكين الخليفة من حمل مسئولياته في قسطاس وسداد . . وهكذا راح القديس يستكمل سمات القدوة للدولة, باختيار ولاته, وقضاته, وأمنائه في حرص من يختار عاقبته ومصيره !!

وسارع, فعزل جميع الولاة السابقين الذين عملوا في خدمة المظالم السابقة, ثم ولى مكانهم من اصطفاهم للمهمة الجليلة, أمثال؛ ((أبي بكر بن حزم)), و((عبد الرحمن القشيري)), ((عدي بن أرطأة الفرازي)), وآخرين من طرازهم وإخوانهم. وكان أول ما أوصاهم به, هذه الوصية الجامعة الرائعة:" كونوا في العدل والإصلاح والإحسان بقدر من كانوا قبلكم في الظلم والفجور والعدوان " . . !!

 

كذلك, كان أول ما قدم به ولاته للناس هذه الكلمات الأمينة:"إني قد وليت عليكم رجالا . . لا أقول: إنهم خياركم, ولكني أقول: إنهم خير ممن هم شر منهم " !!

 

انه رجل يضع ذاته كلها فوق الميزان . . وان كل حركاته وكلماته وقراراته, ومشاعره لتتحرك بقدر معلوم. !!

ويمضي ولاته إلى أقطارهم, ويسهرون على مسئولياتهم في ولاء صادق . . تقودهم على الطريق وتثبت أقدامهم وخطاهم سيرة خليفتهم العادل القديس . . هذه السيرة التي كان أريجها ينتشر انتشار الضياء, وعبيرها يفوح ويهب هبوب الرياح والبشريات . . !!

لقد راحوا يخجلون من كل تقصير يبدر من أحدهم . . وإذا سولت لأحدهم نفسه, شفاها من وساوسها بمجرد تذكر خليفته القديس في حياته الشظفة, ورقاعه البالية !!!

 

وراح الخليفة يواليهم برسائله ووصاياه . . وصية من بعد وصية, وكتابا وراء كتاب . .لنقرأ واحدا من هذه الكتب:

" . . أما بعد, فان من ابتلي من أمر السلطان بشئ, فقد ابتلي ببلية عظيمة . . فنسأل الله عافيته وعونه . . وإني أدعوك أن تقف نفسك في سرك وعلانيتك, عند الذي ترجو به النجاة من ربك . . تذكر ما سلف منك من خطأ فأصلحه, قبل أن يتولى صلاحه غيرك. ولا يمنعك من ذلك قول الناس . . وكن لمن ولاك الله أمرهم ناصحا في دينهم وأعراضهم . . واستر كل عوراتهم . . واملك زمام نفسك تجاههم إذا هويت, وإذا غضبت " !!!


عدد الزيارات : 189

Share

مقالات ذات صلة :
  • معجزة الإسلام - الجزء الأول

  • معجزة الاسلام _ الجزء الثانى

  • معجزة الاسلام _ الجزء الثالث

  • معجزة الاسلام _ الجزء الرابع

  • معجزة الاسلام _ الجزء الخامس

  • معجزة الاسلام _ الجزء السادس

  • معجزة الاسلام _ الجزء السابع

  • معجزة الاسلام _ الجزءالثامن

  • معجزة الاسلام _ الجزء التاسع

  • معجزة الاسلام _ الجزء العاشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الحادى عشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الثانى عشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الثالث عشر

  • معجزة الاسلام _ الجزء الخامس عشر

  • المبرأة من السماء _ الجزء الاول

  • المبرأة من السماء _ الجزء الثانى

  • الامام الاعظم

  • رفيقة النبى فى الجنة

  • إمام دار الهجرة

  • من أهل بيت رسول الله

  • سيدة القصر

  • رجل اشترى الآخرة بالدنيا

  • المجادِلة

  • المزيد.......
    التعليقات :



    الاسم  
    البريد الالكتروني    
    العنوان   
    التعليق