هيلانه و لويس           

 المحرر : نوران رضوان

كل شيء ساكن سكون الموت .. مظلم ظلمة القبر إلا خيمة في معسكر النصارى نائية ينبعث من شقوقها وفروجها ضوء خافت ويسمع من جوفها همس ضعيف لو أصغيت إليه لسمعت صوت امرأة تتكلم بلسان القوم وتقول لصاحبة لها : ماذا يشجيك الليلة يا هيلانه ؟ أفزعت من هذه المعركة العابسة التي جئنا نخوضها ونصلى نارها دفاعاً عن " قبر..." المسيح ؟أم هو الحزن على لويس قد خامر نفسك ؟ لا تحزني يا هيلانه .. فقد كان مقدراً عليه هذا المصير .. ولقد عرفه ومشى إليه مطمئناً راضياً.

خرجت المرأة من الخيمة وجلست على مقربة منها تتأمل وتفكر.. واشتد بها الضيق ... فذكرت كيف عرفت فتاها الحبيب وقد رأته أول مرة على باب داره تلقاء الغابة فأحسست كأن عينيه قد اخترقتا شغاف قلبها ورأته بعد ذلك في الغابة ولكنها لم تجرؤ على أن تكاشفه بحبها... حتى كان ذلك اليوم السعيد الذي يمر في موكب حياتها بهياً ، فجلست معه تحت تلك الشجرة المنعزلة أحلى مجلس في حياتها، لقد كانت سعيدة في هذه القرية ، لا تعرف إلا قلبها وربها فهي تصبح فتمشي إلى كنيسة ربها لأنها لم تعرف بيت لله خيراً منها ، فتتوجه إلى الله بالصلاة التي حفظتها ، وتمشي فتطوف في الغابة يدها في يد الزوج الحبيب. 

كانت القرية في ذلك الصباح مستلقية في فراشها ترتشف بقية أحلام الليل لتنهض مع الشمس فتعمل على تحقيقها، ولم يفسد ذلك الهدوء إلا صرخة تدوي بين الجبلين يحملها صوت مبحوح كأنه صوت جريح ينضح صراخه.. وعلى الفور ذهب القوم يستقرون الصوت فرأوا قساً من القساوسة مكشوف الرأس منفوش الشعر وكان يتكلم باكياً نادباً منذراً بفناء النصرانية ويدعو إلى إنقاذ القبر المقدس من أيدي " الكفرة المسلمين " فنهضوا يتبعون الراهب إلى حيث لا يعلمون إلى إنقاذ " قبر المسيح "من أيدي" الكفرة " الذي أهانوه وحقروه.

وصدقت هيلانه وزوجها ما قالوا لهما من أن المسلمين هم ذئاب الإنسانية وأنهم عدوا على المسيح  ونهضا يدفعهما الإيمان الذي عبث به العابثون واستغلوه وأوقعوا في أبناء آدم هذه المذبحة المروعة فأخذا الطفل الوليد وسار مع الجموع نحو بيت المقدس، وهنا عاودتها ذكرى زوجها الحبيب فانفجرت باكية فأيقظ صوتها صاحبتها فخرجت تراها.
مالك يا هيلين؟ لماذا تبكين ؟ لما لم تنامي ؟
فلم تجب واستمرت تبكي فعادت ترفه عنها وتواسيها : ماذا عراك يا هيلانة ؟ أجيبي كلميني.
-
لويس!
 -
أصبري يا أختاه إنه في السماء.. ثم إن عندك لويس الصغير ألا تسمعين كيف يبكي ؟
إنه ابنه ابن الحبيب فعيشي من أجله أريه ألوان السرور والمرح تسعد بذلك روح لويس ..


فأخذت هيلانه الطفل تضمه إلى صدرها وهي مغمضة العينين وتقبله في عنقه الدافئ وتمرغ وجهها في صدره ثم تضع خدها على خده وهي تهمس باسم لويس كأنما تتذكر به مولد الحب وقبلاته الأول، وهجعت هيلانه وصاحبتها وانطفأ هذا النور الكليل الذي كان ينبعث من الخيمة ومرت من الليل ساعات ، وعلى الجانب الأخر كان معسكر المسلمين صامتاً مظلماً لا يرى في خلاله إلا النور الذي يسطع من خيمة السلطان.

في تلك الساعة كان هناك رجلين يتقدمان في الظلام ؛  يريدان معسكر المسلمين وهما يخطوان بحذر ويقفزان على الصخور بخفة وقد حمل أحدهما هنة صغيرة ملفوفة بخرقة بيضاء قد ضمها إلى صدره برفق أحاط بها يسراه وأمسك بيمناه السيف، وكانا صامتين فلما جاوزا " اليزك " أي الحاجز ودخلا معسكر المسلمين وأمنا وضعا السيوف على الأرض وجلسا يستريحان وقد أبقى الأول حمله على ذراعه وأحاطه بطرف ثوبه مبالغة منه في العناية به وقال لرفيقه : ماذا ترى السلطان قائلا لنا ؟ أتراه راضياً عن عملنا وهو الذي أوصانا ألا نعرض للنساء والأطفال وألا نمس الأعزل بسوء وأن ندع القساوسة ، ولم يسمح لنا إلا بسرقة المحاربين والجند؟ أفلا يكره ما أتينا في هذه الليلة ويكون غضبه علينا أضعاف رضاه عنا يوم سرقنا ذلك القائد من فراشه ؟
فأطرق الثاني كأنما يفكر في غضب السلطان ويبحث عن سبيل للخلاص ثم رفع رأسه فجأة وقد أشرق وجهه بنور الأمل وقال له: لماذا يغضب ؟ أليس الله أباح لنا أن نرد العدوان بمثله؟ أما بدؤونا هم بمثل هذا أول مرة وروعوا نساءنا وسرقوا أطفالنا ؟


واطمأن الأول إلى هذه الحجة فقاما يسران حتى بلغا خيمة السلطان فوجداها مضيئة، فعلما أنه لم ينم ووقفا ينتظران الإذن ليعرضا عليه ما جاءا به لأنه كان يطلع بنفسه على كل كبيرة وصغيرة ، ومرت ساعة وهم واقفين فسمعا حركة ورأيا رسولا يحاول أن يدخل على السلطان وهم يمنعونه حتى أنبأهم أنه يحمل رسالة خطيرة مستعجلة لا يجوز تأخيرها فخبر السلطان فسمح له وقابله على خلوة لم يكن فيها إلا ابن شداد القاضي ثم خرج الرسول على عجل وخرج من بعده ابن شداد معلنا أن السلطان سينام قليلا وكان ذلك في السحر فيأس الرجلان من لقائه وذهبا ينتظران الصباح.

ولما كان الصباح ذهب أول الرجلين يلقى القاضي ابن شداد يسأله عن أمر السلطان وكان صديقا له فحدثه أن الرسول حمل إلى السلطان نبأ مروعا هو أن جيشا من الصليبين الألمان يزحف نحو الجنوب في عدد هائل فلم يستطع أحد من أمراء المسلمين في الشمال أن يرده أو يقف في وجهه، تفكر السلطان في الأمر ثم جمع الملوك والقادة و كانوا أبطال الحومة وسادة الجِلاد؛ ولم يفقدوا الإيمان الذي قابلوا به جيوش أهل أوروبا ،ولم ينسوا طعم النصر الذي ذاقوه ولكن لم يكن في تلك النهاية للمعارك كلها ما يشبه هذا الخطب العابس الذي حمل نبأه الرسول .. فغاضت الحماسة في نفوسهم وإن لم تنفد، أما نفس السلطان فلا تني ولا تلين وحماسة السلطان لا تبلغ منها خطوب الدنيا كلها .
وإنهم لمن العظماء ذوي النفوس الكبيرة ولكن أنى لهم بمثل نفس السلطان؟ فلما رأى السلطان هيبتهم صرفهم ولبث وحده مهموما يفك،. قال الرجل: فماذا فعل السلطان كان الله له ؟ كم يحمل وحده من الأهوال التي تخر تحتها الجبال ،قال القاضي ابن شداد: جلس يدبر أمره ويرسم خطط القتال وهو مهموم قد أخذ منه التعب والنعاس ، وأنا أنظر إليه ليس معنا ثالث إلا الله ، فسألته أن ينام ساعة فيستريح ، فظن أنني نعست فقال لي : لعلك جاءك النوم ، ونهض ... فخرجت أمشي إلى خيمتي فلم أصل إليها وآخذ في بعض شأني حتى أذن الصبح فعدت لأصلي فوجدته يمرر الماء على أطرافه فقال لي حين نظر إلي:ما أخذني النوم أصلاً فقلت: قد علمت قال: من أين ؟ قلت لأني ما نمت وما بقي وقت للنوم.

قطع القاضي حديثه ونظر إلى تلك المرأة التي أقبلت تريد السلطان وهي سافرة تصيح بلسان قومها وتعول باكية تشير إشارات الفزع المروع فأقبل عليها يسألها ما خطبها ؟

وكانت هيلانه أفاقت فلم تجد طفلها ، فخرجت من الخيمة جاحظة العينين مجنونة تصيح باسم ولدها ، وهي تعدو على غير هدى تسير في كل سبيل تسأل كل من تراه عن ولدها : أين ولدي؟؟ ماذا أعمل ؟؟ ساعدوني فتشوا لي عن ولدي... أين ذهب ؟ هل مات ؟ من أخذه ؟ أأكلته الذئاب ؟ وهل تدخل الذئاب على المعسكر ؟ أم قد سرقه اللصوص ؟


وانطلقت تعدو في أرجاء المعسكر حتى بلغت خيمة القادة فاقتحمتها وهبطت على أقدامهم تولول وتصيح فأخذتهم الشفقة بها ولكنهم كانوا عاجزين عن معونتها. فرأى القائد منهم أن يبعث بها إلى صلاح الدين..إن الرجل شهم وشريف وفارس نبيل وما نحسبه يسد أذنيه دون شكوى امرأة مفجوعة تسقط على قدميه باكية ذليلة ترجوه أن يرد عليها ولدها الوحيد.. وهو الذي قبض بالأمس على قائد الحملة الفرنسية فلما صار بين يديه وانتظر القتل لم ير منه إلا الإكرام والإحسان خلع عليه وقدمه ورفع مجلسه وسيره إلى دمشق معززاً مكرماً فلم يستطع القائد أن يرفع بصره إليه لعجزه عن شكره ولخجله من نفسه حين قابل بين صنيع السلطان به وصنيعه هو بمن أسرهم من قواد السلطان.

فسيروا المرأة إليه فانطلقت تعدو حتى تقطعت أنفاسها وهي تتحامل على نفسها، تريد أن تقطع الطريق كله بوثبة واحدة ترى من بعدها ابنها أو يكون فيها حتفها وتخشى أن تتأخر لحظة فيصيب ابنها شر ... حتى بلغت "اليزك" فصاحوا بها : قفي فوقفت تنظر ماذا يريدون .ولم تكن تدري ما " اليزك " وما الحروب .. وما جاء بها إلا إيمانها!  وجعلت تصرخ وتخاطبهم بالفرنسية : ابني ابني أيها الجند..!ردوه علي أريد ابني فلماذا تمسكونه ؟  لا ، لا أرى على وجوهكم سمات الوحشية إنني ألمح الشفقة على هذه الوجوه فلماذا لا تردون عليّ ابني ؟؟

فلا يفهمون منها شيئا فتعود إلى صراخها حتى جاء رجل منهم يعرف لسانها فأخذته الرحمة وتركها تمر ودلها على الطريق إلى خيمة السلطان فذهبت تعدو .
فرآها القاضي و قال لها : اذهبي مع هذا الرجل ، وأمره أن يدعها في خيمة الأسرى حتى يستأذن لها على السلطان وينبئه نبأها فسارت صامتة مسرعة فلما دخلوا بها إلى الخيمة ورأت الأسرى عادت تصيح فنبه صياحها الأسرى ثم استفاض حتى بلغ خيمة السلطان فبعث يطلبها، وكان في أقصى الخيمة أسير اضطرب لمّا رآها ولبث بصره عالقاً بها.. ثم انفجر بعد دقائق فنهض الأسير يصرخ صراخ الوحش الكليم: أريد أن أراها، أريد أن أراها  ...وراع صياحه الأسرى.

فرفعوا أمره إلى السلطان وأدخلوه عليه فلما احتواه مجلس السلطان طأطأ رأسه ووقف خاضعا وكانت عظمة السلطان تملأ نفسه إكباراً له وكان يحس فيها الشكر الخالص لما رأى من إكرام السلطان في هذه المدة الطويلة التي قضاها أسيراً،عنده ثم رفع رأسه وجعل يقلب نظره في أرجاء المجلس فوقع على هيلانه وهي راضية مطمئنة وابنها في حجرها قد ردّ إليها وهي تنظر إلى السلطان نظرة شكر، ثم رآها تنهض فلم يعد يتمالك نفسه فأسرع  نحوها على غير شعور منه.

 فلما رآه الطفل هتف به: بابا ... ووقع بين ذراعيه ونظرت المرأة مبهوتة لا تكاد تصدق ما ترى وجعلت تنظر حولها لتتثبت مما ترى ولتعلم هل هي في يقظة أو في حلم ثم صاحت : لويس ؟! أنت حي ؟


ولما تلـــفّت السلطان وجدهما جاثين بين يديه يحاولان شكره.

فقال لهما: إنا لم نفعل إلا ما يأمرنا به ديننا.
قالت المرأة: أدينك يأمرك بهذا ؟
قال: نعم فإن الإسلام رحمة للعالمين للإنسانية كلها ..
قالت: أتضيق هذه الرحمة عن امرأة مسكينة..... تحب أن تسعد وتحيى بسلام في ظلال الإسلام؟
فتهلل وجه السلطان وقال: لها إن رحمة الله وسعت كل شيء
قالت: كيف أغدو مسلمة ؟
قال:  تشهدين أن لا إله إلا الله و أن محمد رسول الله.
فنطقت بها وتلفتت إلى زوجها فوجدته ينطق بالشهادة، وخرج ويده في يدها يذكران الماضي الحلو والقرية الهادئة.

- أواه يا هيلانه! هل لنا من رجعة إلى ذلك الوادي السعيد وتلك الغابة التي ولد حبنا في جنابتها ونما واكتمل ؟؟
- لا يا لويس إنا لن نعود إن يكن حبنا قد ولد في تلك الغابة فإنه قد بعث هنا بعد ما مات، هنا عدت إلى نفسي ، وهنا عرفت الله وهنا رأيت النبل والطهر والإنسانية... فلنبق هنا يا لويس..     

 أليست هذه الأرض التي ولد فيها المسيح ؟ إننا لم نخسر المسيح ولكننا ربحنا معه محمداً !
وتقدم الجيش الإسلامي بعد ساعة يمشي إلى الظفر مكبراً مهللاً وكان لويس المسلم في طليعة ذلك الجيش! !

المصادر

برنامج روائع حضارتنا للدكتور طارق سويدان

كتاب من قصص التاريخ للأستاذ على الطنطاوي؛ قصة هيلانه و لويس


عدد الزيارات : 269

Share

مقالات ذات صلة :
  • الحضارة عربية أم إسلامية ؟؟

  • الإسلام بين العلم و التاريخ

  • عظمة الإسلام في التعامل مع الآخرين

  • محكمة سمرقند

  • (مارييت) فى بيت المقدس

  • (ميسون) امرأة تبعث أمة

  • ليلة سقوط غرناطة (أسبانيا)

  • الرسالة

  • وراء كل صورة ......حكاية

  • مقدمة عن قيام دولة الأندلس

  • مثل الملوك على الأسرة

  • رجل وجبل

  • فجر جديد

  • النبوءة

  • بلاط الشهداء ... نهاية التوسع الإسلامى فى أوروبا

  • وا أندلساه

  • رد اللواء محمد زكي عكاشة على روايات أ/ هيكل ج1

  • رد اللواء محمد زكي عكاشة على روايات أ/ هيكل ج2

  • المزيد.......
    التعليقات :


  • ريمة     ما اجملها من قصة

    جميلة اووي.. حقا الاسلام رحمة للعالمين .. للانسانية كلها
  • Bertie     JHyuuzEOmQafg

    Grazi for mkanig it nice and EZ.

  • الاسم  
    البريد الالكتروني    
    العنوان   
    التعليق