مثل الملوك على الأسرة           

 المحرر : أيمن حافظ

"ما أضحكك يا رسول الله ؟"

كان هذا سؤال أمة الله ابنة ملحان رضي الله عنها عندما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم مبتسما فسألته عن سر تبسّمه صلى الله عليه وسلم

فأجابها وهو مشرق الوجه :

 

"أناس من أمتي عرضوا عليّ , يركبون ثبج البحر , مثل الملوك على الأسرة"

 

نعم .. إنها بشارة للمسلمين بأنهم يجولون البحار حتى صاروا كملوك لها

فما كان من هذه الفتاة إلا أن سألت رسول الله أن يدعو الله لها بأن تكون منهم

فقال صلى الله عليه وسلم مجيبا لها وباسما :

"أنتِ من الأولين"

فرُسمت على شفتيها بسمة وجعل في بصرها شردة إلى هناك  ...

فها هي تري نفسها بعين خيالها في البحر مع إخوانها المجاهدين ....

هناك  ... حيث تنطبق الأرض على السماء في الأفق البعيد .

فخفق قلبها بشدة شوقا إلى أمل مرتجى..

تمر الأيام تلو الأيام  ....

 

والأشهر تلو الأشهر

فتزوجت الفتاة من عبادة بن الصامت رضي الله عنه والذي بعثه الصديق في من بعثهم لغزو الروم .

وانطلقت جيوش المسلمين .... والتحم الرجال بالرجال , وتقارعت السيوف بالسيوف حتى آن للنسر الروماني أن ينكسر أمام راية المسلمين وتكبيرات الفتح المبين .

وبُسطت الأرض أمام الفاتحين بعد أن ارتوت الأراض بدماء الرومان وبعد أن ازدادت شرفا باستشهاد المستشهدين، وهنا برز ولمع في الفضاء نجم بن الوليد وابن العاص وابن الجراح وغيرهم من الفرسان الصناديد.

 

واستمر القتال حتى وصل المسلمون إلى السواحل المشرفة على بحر الروم "البحر المتوسط"

وهناك .. وقفت أم حرام بنت ملحان ترنو من الماء في شرود , لقد قربت بشارته صلى الله عليه وسلم بأن تكون من أوائل من يعبروا هذا البحر من المجاهدين فسرعان ما تدفقت الدماء في عروقها وتحركت الأمال في جوانحها.

ومن جانب آخر كان معاوية يطمع كمن طمع من المجاهدين في ركوب البحر في إثر الروم المنهزمين فكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يستأذنه في هذا الخبر .

فجاء رد عمر حكيما بليغا ...

 

فبعد أن درس فكرته , وأخذ بشورى قواده وأيقن أن ليس للعرب في ركوب البحر سابقة ؛ فهم على الأرض فرسان صناديد لا يشق لهم غبار فأرسل لمعاوية بأنه ليس للمسلمين ركوب البحر حتى تستقر الأمور في الأرض...

 

تمر السنون ويقع ابن الخطاب شهيدا وتؤول الخلافة لعثمان بن عفان رضي الله عنه فيعيد معاوية عليه الكرّة ذاتها .

فرأى أنه من الحكمة ألا يدفع المجاهدين دفعا إلى هذا الخطر الجديد فأشار على معاوية أن يخيّر الناس , فمن أختار الغزو طائعا فأعنه على هذا الأمر.

 

فسرعان ما أقدمت أم حرام على زوجها عبادة تحضه على التقدم فإذا به من أوائل من اختاروا الغزو طائعين

 تأهبت المراكب للانطلاق لغزو قبرص أولى معقل بحري للروم وبدأت في الإبتعاد رويدا رويدا .....

أخذت دموع المجاهدين تودع الواقفين وبدت قلوبهم تتراقص طربا شوقا إلى نصر قريب .

وما كذبت قلوبهم قط فالله عند ظن عبده به ففي الأفق لاحت المراكب في انتظار أقدارهم أمام فرسان المسلمين والذين أخذت الرياح تتلاعب بمراكبهم إلا أنها لم تتلاعب بقلوبٍ آمنت بأن الموت في سبيل ما آمنت به حياة خالدة في جنان تجري من تحتها الأنهار.

دنت المراكب بالمراكب حتى التحمت فربط المسلون سفنهم بسفن الروم فتقارعت السيوف وسالت الدماء في مياه البحر حتى تغير لونه الذي ألفه الناس له.

 

ولاحت سفنا جديدة تدنو وتقترب إلا إنها كانت سفن الأسطول المصري أقبلت لتشد من أزر المسلمين حتى أتم الله نصره على المسلمين.

 

تعالت تكبيرات القوم فرحين بما أهداه الله لهم , وتعالت صيحات الروم بما انكب عليهم من مرارة الهزيمة

وفي إحدى سفن المسلمين وقفت فتاة رقيقة ......

قلبها فرحا بالنصر المبين ....

إنها هي .... ابنة ملحان رضي الله عنها .

وتعلقت على أسوار السفينة ......

وباتت تمد بصرها الآن بعين خيالها ....

 

فها هي ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك وأخذ يقول :

"ناس من أمتي عرضوا عليّ يركبون ثبج البحر مثل الملوك على الأسرة"

ولم تنس ابتسامته وهو يبشرها بأن تكون من الأولين

  

 وعدت فصدق وعدك يا رسول الله


عدد الزيارات : 264

Share

مقالات ذات صلة :
  • الحضارة عربية أم إسلامية ؟؟

  • الإسلام بين العلم و التاريخ

  • عظمة الإسلام في التعامل مع الآخرين

  • محكمة سمرقند

  • (مارييت) فى بيت المقدس

  • هيلانه و لويس

  • (ميسون) امرأة تبعث أمة

  • ليلة سقوط غرناطة (أسبانيا)

  • الرسالة

  • وراء كل صورة ......حكاية

  • مقدمة عن قيام دولة الأندلس

  • رجل وجبل

  • فجر جديد

  • النبوءة

  • بلاط الشهداء ... نهاية التوسع الإسلامى فى أوروبا

  • وا أندلساه

  • رد اللواء محمد زكي عكاشة على روايات أ/ هيكل ج1

  • رد اللواء محمد زكي عكاشة على روايات أ/ هيكل ج2

  • المزيد.......
    التعليقات :


  • نور الله     صدق رسول الله

    "ناس من أمتي عرضوا عليّ يركبون ثبج البحر مثل الملوك على الأسرة" ماأصدق قول الرسول صلى الله عليه و سلم و ما اجمل ان نعلم تاريخنا الاسلامى جيدا
  • هاجر     ما اجمل تلك القصة

    ما اجمل تلك القصة و ما اجمل وعد رسول الله جعلنا الله ممن يتبع سنته
  • محود منتصر     صدقت يا رسول الله

    هذه قصة من قصص لا يعلمها كثير من الناس ..فما اجمل ان نعلم الناس تاريخهم وعظمة رسولهم الكريم . فشكر للكاتب /ايمن حافظ ..

  • الاسم  
    البريد الالكتروني    
    العنوان   
    التعليق